نُشر من قبل في المدوَّنة السابقة بتاريخ 29 أكتوبر 2018
بعض حيرتنا وتخبطاتنا تكمن في كوننا نخلط بين الأمان والحماية!
حين نلهث وراء الأشخاص وندخل علاقات ربما تسيء إلينا وتُفسد صورتنا عن أنفسنا بحثًا عن الأمان الذي نفتقده، وفي الحقيقة نحن نتشبث هنا بالحماية، لا نبحث سوى عن الحماية.
الحماية التي يمنحنا إياها شخص ربما يكون هو نفسه سببًا لخوفنا، الحماية التي تتركنا نشعر بالعجز دونها، بالاستناد عليها وفقدان الاتزان في غيابها!
الحماية التي تُعمق داخلنا الشعور بالخواء والفراغ.. وقِلة الحيلة والعجز، الحماية التي هي -ببساطة- مجرد مُسكِّن عابر ومُخدر لِما نفتقده حقًّا وهو الأمان، وبينهما فارق جد عظيم..
الحماية تأتينا من مصدر خارجي، وهي مؤقتة وتحتاج إلى دوام الشحن، وربما تحمل آثارًا جانبيةً متمثلةً في تعميق الشعور بالعجز وقِلة الحيلة والخواء الذاتي، وربما تنبع من شخص مؤذٍ ومخيف؛ فحتى المؤذي لم يزل قادرًا على منح الحماية، لكنه لا يَقدر أبدًا على منحنا الأمان.
والحماية قد تحوي داخلها الاضطراب والقلق، وتلك من تناقضاتها! الحماية هي الوهم في العلاقات المؤذية، التي تجعلنا نتوهم أنها الأمان ونتخذها مسوِّغًا للبقاء.
أما الأمان فينبع من داخلنا.. من تحت جِلدنا!
نعم، من الممكن أن يساعدنا شخص آخر على الوصول إليه، لكنه لا يمنحنا إياه. ربما يساعدنا الآخرون في التحقق منه والوصول لمعادلته، قد نستلهمه منهم، لكن لا أحد يتحكم به حقًّا.
هو ينبوع يتدفق داخلنا نحن، قد يساعدنا أحدهم في الحَفر والتنقيب عن آباره في نفوسنا، لكننا وحدنا مسؤولون عنه.
لذا هو يمنحنا شعورًا بالتجذر.. بالبيت.. بالوطن الذي لا يملك أحد سرقته أو اختلاسه، لا يتأثر بالظروف الخارجية. فهناك شعور بالأمان ولو كانت أجسادنا تحت القصف، وهناك افتقاد للأمان وإن كانت أجسادنا محاطةً بالحُراس والأسوار (الحماية)!
هناك أمان بلا حماية..
وهناك حماية بلا أمان.
والعلاقات الصحية تساعدنا على اكتشاف مغارات الأمان داخل نفوسنا فلم تَعد حقول أَمننا تتأثر بغيبتهم، نعم قد نفتقدهم ويملؤنا الحنين، لكنهم لا يحملون أماننا حين يرحلون، فقد تدفق النبع ولم يَعد يملك سدَّه أحد.
الأمان داخلي، دائم، مستقر نسبيًّا، يُشعرنا بالاتزان الداخلي، مركز الثقل داخلنا، والثبات، والتأصل، كأننا ننحني مرونةً مع الرياح ونعود ثانيةً لموضعنا فجذورنا متأصلة في التربة ممتدة، ومَيلنا مع الظروف مواكَبةً وتطورًا يمنحنا شعورًا بالإرادة والحرية والمرح، لا يمكن أن يمنحنا إياه شخص سامٌّ أو مؤذٍ، فلا يستطيع من لم يحصل عليه أن يساعدنا في الحصول عليه!
إن وضوح الصورة واتزان بوصلتنا يُحررنا، ووضوح الفرق بين الأمان والحماية يساعدنا ألَّا تزِلَّ أقدامنا بحثًا عن الباقي فنتشرب مُلهيات الزائف ونتساءل: لماذا لا يَشبع جوعُنا ولا تنسد الفجوة داخلنا!
فجوة افتقاد الأمان لن تسدها مُسكنات الحماية، بل طريق طويل من التعافي الذاتي يساعدنا على امتلاك ينبوع منه داخل فراغنا.
الحماية السريعة الزائفة التي تمنحنا إياها إلهاءات العلاقات تزيدنا عطشًا وتُرهقنا بالحيرة أكثر! أمَّا الحصول على الأمان فيتطلب جهدًا ومسيرةَ نمو داخلية وكثيرًا من ألم الحَفر والتنقيب داخلنا، ومساعدةَ قوَّتنا العظمى ودائرة ثقة من أشخاص صادقين حقيقيين.
ويوم تسطع قطرات منه على صحراواتنا الداخلية لن نظمأ بعدها أبدًا!
*هذا المقال لا يمثل رأيًا طبيًّا ولا ينبثق من أدبيات نفسانية وإنما هو رأي شخصي وغرضه التعبير لا التعليم.
