كُتبت ونُشرت في المدوَّنة السابقة بتاريخ 18 يناير 2019
كنتُ أجلس لأكتب منشور (لماذا نحن مدمنون)، وكان الطقس مريعًا بالإسكندرية، وأنا أجلس بمكان مكشوف في ساحة الجامعة. كان الصقيع شديدًا للغاية، وما إن بدأتُ الكتابة واستغرقني الموضوع حتى غِبتُ عن نفسي وعن المحيط تمامًا؛ لم أستشعر البرد مطلقًا، لم أستشعر احتياجي الجسدي للدفء، ولم يتمرد عليَّ جسدي، لقد استغرق معي في الانسياب وراء الفكرة فلم يَخلعني منها بارتعاشة أو رعدة.
حتى انتهيتُ ووضعتُ النقطة الأخيرة بعد ما يَقرب من ساعة إلا ربع. لا أدري كيف مرت الدقائق. وحينها فقط عاد البرد ليفعل دوره بجسدي، ووجدتني أحتاج الذهاب إلى دورة المياه، كأن مثانتي استفاقت لتوِّها! حقًّا لقد قام عقلي بإلغاء المثيرات الداخلية والخارجية كافةً وإخراجها من المَشهد، وطلب من كل خلية مني أن تخرس للحظات حتى أنتهي من هذا الاستغراق!
وبعد أن انتهيتُ أعادني إلى الواقع وسمح للضوضاء أن تصِل إليَّ، سمح لمثانتي أن تستغيث ولجِلدي أن تُصيبه لسعةُ البرد ولجسدي أن يرتجف طلبًا للمأوى من الطقس المؤذي!
أنا عادةً شخص هادئ ودبلوماسي، أحيانًا حدَّ الزيف بارتداء ابتسامةِ خدمة العملاء، وبالأخص مع أطفالي أُحاول دومًا أن أُواري أي تململ مني، وأندفع نحو عالمهم قدر استطاعتي، ويمكنني ببساطة أن أفعل شيئين معًا، لا بأس لدي أن نتحدث ونحن نشاهد فيلمًا، أو نلعب ونحن نستمع للموسيقى، ما دام فِعلٌ منهما يَسحب مساحةً مستقلةً من تفاعلاتي وحواسي، إلا في حالة وحيدة: وأنا أكتب، حينها أصير عصبيًّا بشدة إن حاول أحدهم حثِّي على الاستفاقة والعودة لتيار الحياة الواقعية، إن حاول أحدهم مناداتي أو دفعي لفِعل شيء ما أو سؤالي عن شيء؛ قطع حبل انسيابي كفيلٌ بأن يَجلب وَحشًا هادرًا، لا يمكنني أن أنتبه، أو أفكر أو أتمهل قبل الصياح: “ششششش.. مش وقته.. سيبني!”
مع صديق، مع طفلي، مع زوجتي، مع راكبٍ يريد النزول بمحطته وقد ساقه حظه التعِس للجلوس جِواري في الميكروباص وأنا أكتب عن أي شيء، مهما كان تافهًا!
ربما لم أستطع يومًا أن أصِل لحالة الاستغراق الكامل في فِعل ما، تلك التي يدعو إليها الطب النفسي والدين والممارساتُ الروحانية وعلماءُ التزكية، وعدمِ التشتت بالانخلاع تفكيرًا أو شعورًا بشيء آخَر، ولكن -بكل أريحية- تَمنحني تلك الحالةَ من الانسياب، الكتابة!
يمكنني أن أستخدم الكتابة نموذجًا للحضور في اللحظة، والانخلاع عن كل ما عدا الفعلَ الحاليَّ الذي يَجلبه (هنا والآن). كلٌّ منَّا لديه تلك المساحة، بقعة ما من سلوكه تستغرقه بالكامل. ربما تستغرقني الكتابةُ أكثرَ مما تستغرقني نشوة الجنس التي يُقال عنها إنها أكثر تَجلٍّ للحضور في اللحظة!
لدى كلٍّ منا تلك اللحظات من الانخلاع الأيسر عن كل شيء والاستغراق والانهمار في “الآن وهنا”. حتى إن لم يَعرفها بعدُ ولم يُجربها ولم ينتبه لها. تلك اللحظات يمكن استخدامها ببراعة في نمو صحي ونُضج نفسي استثنائي:
يمكن عبر التنقيب عنها معرفة سِرِّ الوجود الذاتي؛ فهذا هو المراد منك، وهذا هو ما جُبلتَ عليه وربما تلك مشيئة الله بحياتك، “اعمَلوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِما خُلقَ له”. والتيسير العجيب الذي تستشعره في مساحةٍ ما فتفعلها بأريحية، ربما هو دلالة على معنى حياتك المفقود، ومرتكز وجودك الذاتي المحض.
عن طريق المقاربة البحثية والتنقيبية عن تلك اللحظات والأفعال التي تستغرقكَ بالكامل يمكنك معرفة شغفك وهواياتك، بل يمكنك معرفة ما الشيء الذي ينبغي عليك أن تفعله وتتخصص فيه، وتُفني عُمرَكَ في طلبه؛ ستعرف ما الشيء الذي يمكنك أن تَبرَع فيه وإن لم تكن على ما يرام به بَعد، فليس من المهم أن تُتقنه، المهم فقط هو أن تستمتع بفِعله حدَّ الاستغراق الكامل والانخلاع عن كل شيء.
اسأل نفسك الآن: ما الشيء الذي يمكنني أن أفعله دون أن أتلقَّى عليه أجرًا، يمكنني أن أفعله طوعًا وباستمتاع ومجانًا؟
ما الشيء الذي يستغرقني بالكلية؟
ما الشيء الذي يمكنني أن أبقى في فِعله ما تبقَّى من عمري دون أن أملَّ أو يُصيبني الضجر؟
ما الشيء الذي لولا التزامات الحياة ما توقفتُ عن فِعله؟
ما الذي يُحرِّكني ويُثير شغفي ويُداعب كيميائي، وأجِد انسجامًا غرائبيًّا بيني وبينه؟
ذلك بالضبط هو ما ينبغي عليك أن تفعله، ما ينبغي أن تستغرق فيه ذاهلًا عن كل القواعد والشروط والأشياء التي تُبعدك عنه، متخلِّيًا عن هواجس الفقر والرفض. هو الشيء الذي يصبح كلُّ شيء آخَر تفعله مجرد اضطرار ليساعدك يومًا على التفرغ له.
فالعمل والدراسة وكل شيء سيصبح حينها إعدادًا وتجهيزًا يكفي حاجاتك الأساسية وحاجات مَن تلتزم نحوهم بمسؤوليات لئلا تُرهقك تلك الاحتياجات عن الانهمار في شغفك، وسيُصبح حينها لحياتك معنى؛ فأنت -ببساطة- تمارس شغفك ومرتكَزَ وجودك، وكل ما تمارسه فيما عداه يساعدك على اختطاف الوقت لممارسة شغفك.
سأمنحك مثالًا: المستغرق في الرسم يعمل مُحاسبًا في بنك ليكفي احتياجاته، لئلا تُغرقه احتياجاته يومًا فيتطلَّع للسوق مبتغيًا أن يكون رسامًا من أجل المال، وبالتالي يتحرر شغفه من مقتضيات الوجود الأُخرى ويُصبح الرسم لديه فِعلًا غير مرهون بسواه، فعلًا للفعل ذاته لا للنتيجة، محض تعبيرٍ وجوديٍّ وتحقيقٍ للذات لا وسيلةٍ للحصول على شيء آخَر، وبالتالي سيصبح لحياته معنى، فالأوقات التي يمارس فيها فنَّه سيجِد المعنى في التعبير الحُرِّ تمامًا والتحليق في سماوات استغراقه وانسيابه، والأوقات التي يمارس فيها ما يكرهه من الدراسة والعمل في البنك، وتحقيق رغبات أطفاله، ستكون دفعًا لتلك الإلزامات ليستمر فِعل (الفن) حُرًّا منها فلا يتعلق برواج عمله أو تسويق فِعله الوجودي (الفن)، وبالتالي سيصير لِما يكره وما يَشق عليه معنًى؛ فهو ضريبةُ ممارسةٍ حُرةٍ لفِعله الوجودي، وثَمنٌ للحرية التي تُظلل ممارسته لشغفه.
أما مَن بقيَ عمرًا يسعى أن يكون فنُّه هو نفسه لقمة عيشه، فسيجِد القيودَ التي تَحكم تعبيره، لتَعلقه بالنتيجة وترقُّبه لردود الأفعال، وسيجد السوق يسحبه ويُملي عليه مقتضيات الرواج وذائقةَ الناس والجوَّ العامَّ!
أما مَن تحرَّر من تلك الإلزامات بممارسةٍ جانبية لِما لا يُحبه من أجل حُريته في ممارسة ما يحبه، فلن يكترث بالسوق؛ سيسحب هو السوقَ ناحيته، وسيُجبر ذائقة الناس على تذوُّق شيء آخَر يَحمل نكهتَه وحده. سيَثبت ويبقى يُمارس بَصمتَه الخاصة، وبعدها سيجِد السوقَ هو من يزحف إليه، وذائقةَ القوم تستلذ بطعمه الخاص. فذائقاتنا دومًا تتلذَّذ بالصدق والفردانية!
يمكنك أن تجِد المعنى إن كففتَ عن اللوم والتململ وطلبِ كل شيء في الحياة ومحاولةِ إجبارِها على السير بطريقتك، حين تَخرج من المعادلة الصفرية والاختيارِ القُطبي بين ممارسة ما تُحب وممارسة ما ينبغي عليك، حين تعرف ما تحب وما يستثيرك ويستغرقك فتمارسه، وتستخدم التزامك بممارسة ما لا تحب أو ما تُضطر إليه لتحريرك في أثناء ممارسة ما تحب، لئلا يتحول شغفك إلى مهنة مرهونة بالشروط والسوق الحضاري الاختزالي الجديد الذي يختصر كل شيء ويقوم بتعليب كل شيء وتسليعه!
يمكنك عبر ممارسة تلك اللحظات من الانخلاع أن تستخدمها نموذجًا لتُعممه على كل حياتك، فتتمكن من الحضور في اللحظة فيما عداها من الأفعال، فتُمارس الحضور الكُليَّ الذي بدأتَ تعتاد عليه، ولكن إراديًّا هذه المرة، حين تأكل وتشرب، حين تشاهد فيلمًا أو تحادِث صديقًا، حين تتأمل السماء أو حتى حين تتبول!
تُصبح قادرًا تدريجيًّا على الانخلاع عن حالة “الطيار الآلي” وعدم الانتباه للَّحظة، وتستجلب انتباهك الغارق في الماضي والمستقبل وتدفعه بلطف نحو اللحظة الحاضرة والعمل الحالي، كل عمل.
أولئك الذي لا يتقنون ممارسة التأمل والاسترخاء (وأنا منهم) ويَجدون صعوبةً في التخلص من القلق والاجترار النفسي، سيجِدون الأمرَ أسهل إن بدأنا نمارسه بناءً على نموذج قد جرَّبناه فعليًّا، ونقيسه على كتالوج نحمله داخلنا، ونُجربه بناءً على أمر اعتدنا القيام به، وهو شغفنا!
يصبح شغفنا نواةً لتعميم الحالة في كل شيء، لربما تحمل لنا الحياة تلك اللذة الاستثنائية حين نتمكن يومًا من الاستغراق في كل شيء كأنه كل وجودنا، وأن تكون كلُّ لحظةٍ نحياها هي بحق كل حياتنا.
لا أدري هل الجنة تختلف عن تلك الحالة في شيء سوى أنها دائمة لا تنقطع ولا تتعكر؟! ربما!