كُتبَ ونُشر في المدوَّنة السابقة بتاريخ 9 يناير 2019
في بداية سلوك طريق التعافي، كنتُ يومًا أشكو لصديقٍ حَيرتي وشعوري بالعجز عن إصلاح كلِّ ذلك الركام الذي سببتُه بحماقاتي. كما أشكو تلك الأمور التي أفسدها إهمالي وانشغالي بذاتي. وكان يشغلني كثيرًا ما الذي يُمكنني أن أفعلَه لأساعد زوجتي وأبنائي وأحبَّتي. كنتُ غارقًا -لَحظتها- في التحكُّمية؛ أظن أن بإمكاني التحكُّم في المآلات وتحويلُ المسارات وقهرُ النفوس على التغيير.
فقابلني صديقي بابتسامته الرائقة وهدوء ذوي الخبرات، قائلًا بأريحية استفزتني: “لما واحد بس بيتعافى، البيت كله بيبدأ يتعافى، ركِّز في تعافيك، وسَلِّم”، قالها وسكَت!
لم يكن هذا ما أتوقع سماعه، لم يكن هذا ما أردتُ سماعه، كنتُ أريد تحليلًا وتفسيرًا وخطةً للعمل، كنتُ أود أن أعلم من أين يمكنني البدء، كيف يمكنني أن أرفع حطام حياتي وأستنقذ من تحت أنقاضها ما ضاع مني بالطريق! ابتلعتُ كلمته بقدْر ما أمكنني من التفتح الذهني، أو ربما هو العجز؛ فلم يكن في استطاعتي فِعل شيء بحق سوى التركيز مع تعافيَّ الشخصي!
،،
وفي يوم آخَر، كنتُ أُحادث مُعالجي عن علاقة قديمة، وكيف أشعر تجاهها بالمسؤولية والذنب، وكم كنتُ أود أن أُحادثها لأُخبرها -فقط- عن الطريق، كما اعتدتُ مشاركتها، وأقول بتبجح: “مَن أفسد شيئًا فعليه إصلاحُه”.
لم أكُن أدري أن تلك هي أحد حبائل الإنكار لإعادتي وإعادتها إلى الوهم، بِاسم المساعدة! وسيلةٌ أُخرى من وسائل إبقاء العلاقات الشائهة تحت دعوى متعقلنة! ولكن -كالعادة- ابتسم ابتسامةَ الخبير بالطريق، والعارف بالظلام، وقال: “ركِّز في تعافيك!” كان عقلي يُخبرني أن ذلك نوعٌ من التنصل والأنانية، وتأصيلٌ لثقافة رِبح الجُناة!
ثم تعلمتُ قاعدةً من قواعد تعافيَّ الشخصي: “إذا حدثت المواجهة رغمًا عنك، فاعترف بكل شيء، وتحمَّل المسؤولية، وادفع فواتيرك كافةً، وتحمَّل ما هو لك من مسؤولية دون أن ترفعها عن اختيار الطرَف الآخَر وحريته واقتضاء مشاركته في المسؤولية. ولا تتلاعب ولا تراوِغ، ولا تحاول تجميلَ صورتك. وبعدها تقطع الصلة بصرامةٍ حمايةً لكليكما، وتضع الحدود بوضوحٍ لا يَقبل التمييع والمفاوَضات”.
،،
العجيب أن النبوءة قد تحققت! وتلك الأشياء القاسية الصارمة الجامدة المؤلمة التي أَجبرَنا التعافي على فِعلها، آتَت أُكُلَها بغرابة! وقد تحقق الوعد المكتوب لدى زمالة مدمني الخمر: “سنكتشف أن اللهَ يفعل لنا ما لم نستطِع فِعله لأنفسنا!”
حاولنا كثيرًا أن نُبرئ ساحَتنا، ونرمم تاريخنا، ونغسل سُمعتنا، فنعمد إلى أُناس يُهمنا أمرهم، وأحيانًا كان كل ما يُهمنا هو صورتنا لديهم، نعمد إليهم لنحاول إصلاح الأمور وضبط التوتر، فنُعقِّد الأمورَ أكثر، وتكون عَودتنا سببًا لمزيدٍ من الألم والتوهة، لنا ولهم! كما كنا نحاول عنوةً أن نعمد إلى أُناس غفلنا عنهم في طريق الجنون، فنحاول انتشالَهم، ولم نزَل حديثي عهدٍ بالتعافي، ولم تزل عيوبنا الشخصية كامنةً فينا تُحركنا، حتى وإن تغيَّر سلوكنا قليلًا، فكنا نحاول التحكُّم بمصائرهم، ونمارس عليهم نوعًا من الوصاية والتوجيه، الذي كان يُرهقهم أكثر! أرهقناهم في الحماقة، وأرهقناهم في حماسات بدء التعافي!
وبعدما نتوقف، ونُعيد ترسيم حدودنا، ونركز في تعافينا دون إغفال احترام مسؤولياتنا، ونتقبل قصاص الله اللازمَ وندفع فواتيرنا المؤلمةَ بقبول ماضغٍ للمرارة، حينها تحدث المعجزة، وتتحقَّق النبوءة!
“لمَّا واحد بس يتعافى، البيت كله بيبدأ يتعافى!”
ليس البيت وحده، بل الغريب أن يتولى اللهُ كلَّ مَن يُهمنا أمرهم، بل أحيانًا يتولَّى اللهُ المؤذَين، والراحلين، والضحايا، كما يتولَّى أولئك الذين أصابتهم شظايا التخبُّطِ والنيرانُ الصديقة!
التعافي يجتاح كلَّ شيء لمسناه لمسةَ مَحبة أو لمسةَ أفعى، على حدٍّ سواء! يُرسل اللهُ مَحبته، وتَعرف عنايتُه طريقَها إلينا وإليهم، دون تحكُّم مِنا ودون حسابات أو تدبير! نرى -بغرابة- أن هناك قوةً حكيمةً تتولَّى الأمر عنَّا! فالبيت تبدأ شروخ حيطانه في الالتئام، ويبدأ أحِبتنا في المجازفة باستكشاف أنفسهم، ربما بعيدًا عن تبعيَّتهم لنا. يبدأ البراح الذي يتركه تعافينا، والقبول النابت فينا، بخَلق تربة ثَرية وغنية للنمو، النمو الذي لا يأتي إلا عبْر التجربة والخطأ.
ولكن الأمور لا تقِف عند هذا الحد، فتأتينا ربتات الرب، وتصِل إلينا الأنباءُ تمسح على قلوبنا وتُخبرنا أن البعيدين أيضًا قد عرفوا الطريق، بل ربما سبقونا إليه وحازوا فيه من الخطوات ما يُعيينا اللِّحاق به! إن الربَّ قد مسح على القلوب المتألمة برحمته، وعاملهم بلُطفه الذي يستحقونه. وكان جزءًا من بواعثهم على سلوك الطريق، تلك الحدود الصارمة التي وضعناها بتركيزنا على أنفسنا في التعافي، فحفظتهم وحفظتنا! أُغلقت الأبواب أمامنا وأمامهم، فبحثنا عن مَخرج حقيقي، داخلنا!
يا الله! لقد صدَق الوعد، وغمرت الجميعَ رحمةٌ فريدة، لملمَت شتات النفوس وجمعَت تفرُّقها ومسحت على ندوبها!
نشاهدهم جميعًا، القريبين والبعيدين، السائرين في الرفقة والراحلين، السالكين جوارنا والسالكين في سُبل موازية تحمل اللبنات ذاتِها والتكوين ذاتَه، فنعلم أن الوعد حقٌّ، وأن التجربة عامةٌ، والحراك غيرُ متعلِّق بنا، والكون لا يدور حولنا، وأن للرب أوعيةً عديدةً يُوصِل بها رسائله، وحواملَ كثيرةً يَفيض عبْرها شفاؤُه لخَلقه. نُشاهد هذا فنُرخي قبضتَنا أكثر عن الأمور، ونُعيد ظَهرنا للوراء، ونثِق في القوة العُظمى المُعتنية العاملة في خفاءٍ في تجربة الإنسان!
نُدرك تلك القاعدة ونتشرَّبها أكثر: “ركِّز في تعافيك، لو واحد بس يتعافى، ناس كتير أوي ممكن تبدأ تتعافى، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ولا يمت بِصلة لتعافيه!”
لسنا آلهة، ولا يمكننا أن نُنقذ أحدًا، وإن حاولنا التشبثَ ربما يَغرق أكثر، ويُغرقنا! وتسليم أولئك الذين نُحاول التمسك بهم، وإفلاتُهم وتركُهم ليرحلوا في سلام، أو يخوضوا تجاربهم بكلِّ ما فيها، دون وصايةٍ أو استعلاءٍ أو فوقيةٍ تتدَّعي الحكمةَ فينا، سيمنحهم فرصةً للتوقُّف والتقاط الأنفاسِ واستعادةِ الذات، ذواتهم، لا نُسخًا منا نُحاول تَعميمها في الجنون والصواب على حدٍّ سواء!
فإن محاولة تعميم نُسختنا من العقل، جنون!
ومحاولة تصدير طريقنا، توهة!
وسَعينا لتوريد ما نراه حقيقةً، زَيفٌ باطل!
،،
يَغمرني شعورٌ بالأسى، يَمتزج بالثقة! عرفتُ تلك الحقيقة المريرة التي تُخبرنا أن الأفضل للبعض: البُعد! وأن أفضل ما يمكن أن نفعله لبعض الناس هو أن نُزيح أنفسنا بصرامةٍ عن طريقهم، فنسمح للنور -الذي نَحجبه- أن يَخترقهم! وأن خير ما يمكن أن نفعله لمَن نُحب، هو أن نتخلَّى عمَّا كُنا نظنه نوعًا من الرعاية لهم، وأن نتوقف عمَّا ننسبه لشيء من التعويض عمَّا بدَر منا في حقهم، وأن نتركهم يستكشفون أنفسهم في مساحات بعيدة عن “إشراقاتنا” الوهمية تلك، وضوئنا الزائف الذي يعميهم عن نورهم الحقيقي!
،،
يُحدثني صديقٌ آخَر فيقول لي: “مش عارف إزاي أقدر أعوض زوجتي عن اللي شافته معايا، ومش عارف إزاي أقدر أساعد ولادي يبطلوا يخافوا”.
ويشاركني صديق آخَر فكرةً تستحوذ عليه بأن يعود لعلاقة قديمة: “نفسي أرجع لها بس عشان أعوَّضها عن حالة عدم الاتزان والاندفاعية اللي كنت فيها، نِفسي أسيب لها ذِكرى لطيفة عني عشان ما تدعيش عليَّا لما تفتكرني، مش قادر أتصور إني لازم أَقبل حقَّها في اختيار تصوُّرها عني كجزء من تعافيَّ، ولا قادر أتصور قبول نتائج دعائها عليَّ كجزء من تحمُّلي للمسؤولية! أظن إني أقدر أساعدها”.
فأجدُني أبتسم، مُستعيرًا القول: “لو واحد بس يتعافى، ويركز في تعافيه، ويمنع عن الآخَرين محاولته للقيام بدور الإله في حياتهم، ناس كتير أوي هتتعافى، استنى شوية بس، وهتنبهر!”
تعافي فرد =حياه جديده للاسره كلها
دكتور عماد رشاد، لا أعلم إن كان تعليقي هذا سيصلك، لا أعلم إن كنت ستقرأ كلماتي، لا أعلم لماذا أكتب هذا التعليق الآن بالتحديد رغم أني لم أكن مريدة لذلك عندما دخلت موقعك، ربما هو شعور الامتنان الغزيز، أستاذنا عماد لك من اسمكَ نصيب والله، كانت معرفتك متكأً وعمادًا لي في طريقٍ ما كنت أعرفُ أنه موجود فضلا عن أن أخوضه، طريق التعافي المبارك! دكتور عماد من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فشكرًا لك، أدعو لك بملء قلبي أن يرزقك الله من خيري الدنيا والآخرة، وأن يزيدك
بسطة في العلم والجسم، ويعلمك عنه ويفهمك عنه ويدلك عليه ويرشدك إليه، لا أعلم لكني أرجو أن يرزقني الله فرصة حضور حقيقي لمحاضراتك، أن أراك على الحقيقة لأسرد لك تفاصيل حكايتي وكيف أثرت سلسلة التعافي، وكتابك ممتلئ بالفراغ على حياتي، لازلت في البداية والطريق طويل لكنها قصتي ورحلتي وتفاصيل التسلق التي يجب أن أستمتع بها قبل وصولي للقمة إن شاء الله…
دخلت موقعك لأنني كنت في الحلقة 64 وسعتك تتحدث عن موقعك، وعن ترتيب السلسلة فيه بشكل منتظم، لكني لم أجد ضالتي بعد لكني وجدت هذه المساحة وكان شعور الامتنان ضاغطًا علي فنثرت قليلا منه لعلي أهدأ، فجزاك الله خيرًا، أنت شخص تعطي بصدق وإخلاص أسأل الله لك الثبات، وأن يكون علمك حجة لك لا عليك، وأن يبارك لك فيه دكتونا ومعلمنا ومرشدنا ومهلمنا ومربينا الفاضل عماد رشاد عثمان…